بقلم/ هدى المقدي
قصة محمد: الإرادة وتحدي غياب العدالة
لم يولد محمد ناقص الحلم، بل ناقص النظر فقط. منذ طفولته، تعلم أن يرى العالم بطرق أخرى: بالصوت، بالحدس، وبالإصرار الذي كان يكبر معه عاماً بعد عام. وحين كبر، لم يختر طريقاً سهلاً، بل دخل عالم إدارة الأعمال الدولية، ودرس بجد واجتاز المراحل حتى نال درجة الماجستير. حمل مع تلك الدرجة إيماناً عميقاً بأن العلم قادر على كسر القيود كلها.
كان محمد المعيل الوحيد لأسرة مكونة من أب مريض، وأم أنهكها الزمن، وإخوة ينظرون إليه كعمود البيت وسنده. لم يكن أمامه خيار الفشل، لذا ملأ سنواته بالدورات والتدريب وبناء المهارات. تعلم القيادة، والتخطيط، والتفاوض، واستخدام التقنيات الحديثة التي جعلت العمى عائقاً شكلياً لا أكثر؛ فقد كان مؤمناً أن الكفاءة لا تُرى بالعين، بل تُقاس بالأثر.
بدأ محمد رحلته في سوق العمل بملف ثقيل بالإنجازات، وخفيف بالأمل. في كل مقابلة وظيفية، كان يحضر بثقة هادئة، يجيب بدقة ويقترح حلولاً عملية، تاركاً انطباعاً بأنه الشخص المناسب. كانت الابتسامات في البداية صادقة والإعجاب واضحاً، ثم يأتي السؤال الضمني: "كيف ستتعامل مع متطلبات العمل؟". وفي اليوم التالي، يأتي الرفض عبر رسالة قصيرة أو اتصال مهذب أو صمت طويل. لم يكن الرفض لنقص الخبرة، بل لأن محمد "كفيف"، حتى تراكمت الخيبات وصارت أثقل من شهاداته.
كان يعود لمنزله محاولاً إخفاء انكساره خلف ابتسامة مصطنعة. أدرك أن العقدة ليست في فقدان البصر، بل في فقدان العدالة وفي مجتمع يخشى الاختلاف ويرى الإعاقة قبل الإنسان.
لكنه لم يستسلم، وقرر تحويل ألمه إلى معنى؛ بدأ يكتب عن تجربته ويشارك قصته في المنصات المهنية، لا طلباً للشفقة بل لفرصة عادلة. شيئاً فشيئاً، بدأت قصته تصل لمن يفهمون أن القيادة ليست رؤية الطريق بل معرفة الاتجاه. وفي يوم مختلف، تلقى اتصالاً يسأل عن أفكاره ورأيه لا عن إعاقته.
يقول محمد عن تجربته:
-
معاناتي لم تكن يوماً مع فقدان البصر، بل مع فقدان العدالة ونظرة المجتمع التي تسبق الإنسان.
-
نحن نعيش في مجتمع يتحدث عن الكفاءة لكنه يتردد أمام الاختلاف.
-
الكفاءة لا تُقاس بما نراه بأعيننا، بل بما نصنعه بعقولنا ونتركه من أثر
-
الإصرار والإيمان بالذات كانا سلاحي الوحيد في مواجهة الرفض.
-
النصر قد يتأخر، لكنه يصل دائماً إلى من يصر على حلمه ولا يتخلى عنه.

